النووي

25

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَنْصَرِفُ ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي ، وَأَخَذَ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ ، ثُمَّ إِذَا عَادَ الْغَائِبُ ، وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ ، رُدَّ الْمَالُ عَلَيْهِ بِلَا حُجَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ بِإِقْرَارِ صَاحِبِ الْيَدِ ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْمُدَّعِي الْخُصُومَةَ مَعَهُ ، وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْحَاضِرِ ، أَخَذَ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ أَيْضًا ، وَهَلْ هُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْحَاضِرِ الَّذِي تَجْرِي الْخُصُومَةُ مَعَهُ ، أَمْ عَلَى الْغَائِبِ لِأَنَّ الْمَالَ بِمُقْتَضَى الْإِقْرَارِ لَهُ ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : الْأَوَّلُ ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي مَعَ الْبَيِّنَةِ إِلَى الْيَمِينِ ، وَيُثْبِتُ الْقَاضِي فِي السِّجِلِّ أَنَّهُ قَضَى لَهُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَمَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ ، لِيَكُونَ الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ ، وَإِذَا عَادَ ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، قَضَى لَهُ لِتَرَجُّحِ جَانِبِهِ بِالْيَدِ ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا ، أُقِرَّ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُدَّعِي ، فَإِنِ الْتَمَسَ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يُزِيدَ فِي السِّجِلِّ أَنَّ الْغَائِبَ قَدِمَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ ، أَجَابَهُ إِلَيْهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تَنْصَرِفُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، وَقَفَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْغَائِبُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، قُضِيَ لَهُ بِالْمَالِ ، وَهَلْ هُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ ، وَيَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الْيَمِينِ ، أَمْ عَلَى الْحَاضِرِ الَّذِي تَجْرِي الْخُصُومَةُ مَعَهُ ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا ؟ وَجْهَانِ ، رَجَّحَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ الثَّانِي ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى وَأَلْيَقُ بِالْوَجْهِ الْمُفَرَّعِ عَلَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَقُمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْمَالَ لِلْغَائِبِ ، فَإِنْ أَقَامَهَا ، نُظِرَ إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَةِ الْغَائِبِ ، وَأَثْبَتَ الْوَكَالَةَ فَبَيَّنَتُهُ عَلَى أَنَّ الْمَالَ لِلْغَائِبِ مَسْمُوعَةٌ مُرَجَّحَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي . وَإِنْ لَمْ يُثْبِتِ الْوَكَالَةَ ، فَذَكَرَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ، أَصَحُّهَا : لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ ، فَعَلَى هَذَا الْحُكْمِ كَمَا لَوْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً . وَالثَّانِي : تُسْمَعُ ، وَالثَّالِثُ : إِنِ اقْتَصَرَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ ، لَمْ تُسْمَعْ ، وَإِنْ تَعَرَّضَتْ مَعَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِي يَدِ الْمُدَّعَى